المتميز
11-09-2006, 05:30 PM
رحلتي مع جائزة
الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم
بقلم : مريم المهدي-البحرين
سمعتُ عن الجائزة لأولّ مرة في شهر يونيو لسنة 2003، حين كان اسم الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم يتردد في مدرستي بكثير من الاجلال، ولكني - مع ذلك- لم أعرف ماهيّة هذه الجائزة ، ولا الغرض منها أو بنودها (ولم يبدُ أن أحداً من المحيطين بي كانت لديه الإجابات الوافية) حتى شهر أكتوبر من العام نفسه، حين بدأتْ مرشدة الفصل بقراءة منشورات عن عدة مسابقات في حصة مقتطعة خاصة لهذا الغرض، و كان من ضمن ما قرأتْ دعوة للاشتراك في مسابقة متميزة، لم أكدْ أسمع باسمها، و مصدرها وهي دولة الإمارات العربية المتحدة، حتى انتابني شعورٌ بأنها مسابقة مختلفة تماماً عن مثيلاتها، وأنها ستكون تجربة جديدة في حياتي. و لم أخطئ الظن.
في غضون يومين، التقيت ُبعدة جهات و أشخاص، منها مرشدة الفصل، و المشرفة الاجتماعية، و منسقة هذه المسابقة في مدرستنا. و خرجتُ بفكرة محددة تلحّ عليّ وهي أنني لا بد أن أشترك ولا بدّ أن أفوز بإذن الله. هكذا كنتُ دائماً، ما إن أضع هدفاً نصب عينيّ حتى أصرّ بيني و بين نفسي على الفوز الكامل ولا أقلّ منه .
استطعتُ الحصول على عنوان الموقع الخاص بهذه الجائزة على الانترنت، وبعد أن تعرّفتُ على معلوماتٍ عن الجائزة، وراعيها، وأهدافها، سارعتُ بطبع نسخة من استمارة طلب الترشيح، لأطـّلع عليها، و أحدد أهدافي و أرسم خطتي تبعاً لذلك.
و رغم أنه لم يسبق لي المشاركة في مسابقة ضخمة و ذات بنود عالمية كهذه، إلا أن الشروط الكثيرة و المعايير المتعددة التي احتلت الخمس و ثلاثين صفحة من استمارة طلب الترشيح بَدََتْ مألوفة لي ومحببة إلى قلبي، ذلك أنني إن لم أرَ مثيلا ً لها في الواقع إلا أنني حلمتُ طويلا ً بمسابقة كهذه، تجمع خلاصة ما أبدعه الطالب وعمل لأجله طوال سنوات دراسته السابقة. مسابقة تقيس الطالب لمَلـَكاته الفكرية و نشاطه وفعاليته بعيداً عن أغلال الحفظ وقيود التكديس السائدة.
كنتُ اقرأ المعايير و البنود، بندا ً بندا ً بتركيز شديد، و أحاول طرد بعض مشاعر الخوف والرهبة التي تتسلل إليّ، وأسئلة كثيرة تخطر عليّ، هل لدي الكفاءة اللازمة للمشاركة؟ هل سيكون بمقدوري الاستمرار حتى النهاية؟ هل سأوفق بالإيفاء بمتطلبات المسابقة؟ ... ،والسؤال الكبير الذي يفرض نفسه بقوة، و ان كان سابقاً لأوانه بكثير حينها...هل سأفوز؟
كنتُ قد تعلمت من والديّ الاحتفاظ بكل شهادة لفوز أو صورة لمشاركة أحصل عليها، فكان من السهل عليّ الاستفادة من الشهادات الكثيرة التي احفظها منظمة ً في خزانتي، و التي كنت أعيد ترتيبها مرتين في السنة بكثير من الإعتزاز ، مرة في الإجازة الصيفية، و مرة أخرى في إجازة منتصف العام الدراسي.
ثم جاء العمل الصعب والمتواصل ، الذي مرّ على عدة مراحل، في البداية كنتُ أحصي مالديّ ، و أحاول أن أجمع و أصنف كل مايمكنني جمعه و تصنيفه من شهادات وأعمال و أدلة على مواهبي وهواياتي، ثم بدأتُ أستشعر النقص في ما لديّ و أتحسسه ، و أحاول سدّه بأفكار جديدة و مبتكرة ، أحاول أن أجيب بصورة مقنعة على أسئلة مثل : كيف أثبتُ حبي للقراءة و شغفي بها؟، كيف أثبتُ مشاهدتي لبرامج التلفاز المفيدة؟، كيف أدلـّل على مشاركتي في مواقع الإنترنت رغم استخدامي لأسماء مستعارة ؟ ، وهكذا..
وفي هذه الأثناء لم يبخل عليّ والداي، كما لم يبخل عليّ أي عضو من مدرستي ( سار الثانوية ) بأي مساعدة، بدءاً بالمديرة الفاضلة، و مروراً بالهيئة الإدارية و التعليمية ، و إنتهاء بالطالبات.
كلهم ساندوني، وكان للدعم المعنوي أثر كبير ، إذ أن المعلمات كن يتصرفن بتسامح إزاء غيابي المتكرر عن الحصص الدراسية، عند عقد الاجتماعات و اللقاءات الخاصة بالجائزة ، بينما كانت صديقاتي و زميلاتي يساعدنني في تعويض مافاتني من الدروس.
كانت فترة صعبة بعض الشيء ، تلك التي استمرت قرابة الشهر ونصف الشهر، بين أعباء الدراسة و بين الهدف الماثل نصب عيني و الذي يقترب أكثر فأكثر وهو الظفر بهذه الجائزة العظيمة. كنت متأكدة أن فوزي بهذه الجائزة سيعني انطلاقي لفضاءات أوسع و أوسع. و كان من حسن حظي أنني عملتُ في العطلة الصيفية على إصدار مجموعتي الشعرية الأولى بعنوان "أشعار مريم"، بمساعدة من والدي، وكانت في مرحلة الإخراج الفني والتصحيح اللغوي، حين بدأتُ بالعمل على هذه الجائزة، و على الغرار ذاته استحدثتُ كتيبا صغيراً أرفقتــُه مع وثائقي الخاصة بالجائزة، بعنوان "أفكار مريم" يحتوي على كتابتي النثرية و خواطري.
ورغم ضيق الوقت، وصعوبة التوفيق بين الالتزامات المدرسية الكثيرة، إلا ان كل مرحلة من مراحل الاستعداد لهذه الجائزة كان لها طعمها الحلو المميز. بدءًا من نسخ شهاداتي، وطباعة و تصحيح كتاباتي وجمع صوري التي تدل على مشاركاتي، و انتهاء بالمراحل النهائية من المراجعة و التدقيق. وكان للحاسب الآلي دوركبير في سير العمل.
أما ليلة تسليم الصناديق بما تحتويه من أدلـّة فقد كانت ليلة مشهودة، برغم الإرهاق الكبير الذي استولى عليّ. لقد اضطررتُ في تلك الليلة إلى السهر الى ساعة متأخرة، و أنا أتفقد كل شيء من جديد، أتأكد من رسوماتي التي أرفقتها ، و من شهاداتي و أعمالي، وأرقـّم الأدلة وهذا ما تركتـُه للحظة الأخيرة، تحسباً لإمكانية أن يستجد شئ يضطرني لإعادة الترقيم.
وأخيراً أغلقتُ صندوقي الوردي الذي قطعته بنفسي ليوافق القياسات المطلوبة ، و الذي كنت قد غلـّفتـُه باللون الوردي الزاهي، ليعكس آمالي الوردية في الفوز . و نمتُ و أنا على موعد مع شيئين في الغد، أولهما تسليم استمارة طلب الترشيح و صندوق الأدلة، وثانيهما إمتحان نهائي عملي في مادة الأحياء، حاولتُ أن استعد له في غمرة مشاغلي كما يجب.
وبعد حوالي شهر من تسليم الاستمارات و الوثائق، وفي أول أسبوع من يناير 2004، و في أيام تقديم الامتحانات النهائية، استدعيتُ للمقابلة الأولى. حين علمتُ بالموعد أحسستُ بروحي ترقص طرباً بين جوانحي و قد اتفقتُ بيني و بين نفسي على أن أتصرف بطبيعية تامة وأن أبتعد كل البعد عن التصنع و الادعاء. وهكذا كان، و خرجتُ من المقابلة بنجاح واضح بتوفيق الله ، ولا أدري هل أرجِعه إلى تشجيع والديّ ، أو مساندة مدرستي ، أو روعة اللجنة المقابلة ، أو كله معاً .
وأسرعتُ إلى دفتر مذكراتي أسجـّل فيه ما حدث بالتفصيل الدقيق لكي لا أنساه ابداً. كنت أؤمن دائماً أن اللحظات الجميلة يجب ألا تنسى أبد الدهر ، لأنها تكون ملهمة للحظات جميلة أخرى .
ثم أهلـّتْ المقابلة الثانية ، و فهمتُ من ذلك أنني اقتربتُ من الفوز إلى حد كبير ، وأن عليّ أن أبذل كل ما بوسعي و ألا أتراجع في المرحلة الأخيرة ، و هكذا ، و تحت الشعار نفسه الذي دخلت به المقابلة السابقة ، فتحتُ قلبي و عقلي للمقابـِلين الذين تميزوا بحيادية واضحة ، و كانت هي الأخرى مقابلة ممتازة .
و في اليوم الثالث من مارس 2004 ، كنت أنتظر إعلان النتائج بفارغ الصبر ، و انتظرتُ طويلاً ، و الانتظار يزيد الوقت تباطؤاً، حتى كانت الخامسة مساء ، و رن ّ جرس الهاتف حاملا ً معه الخبر الذي طالما منّـيـت نفسي بسماعه ، و ذهلتُ من الفرحة. كان يوماً رائعاً ، اتصلتُ فيه مبشرة ً أبي الذي كان خارج المملكة في رحلة عمل ، و أخي الأكبر الذي يدرس في الخارج، و قد ابتهجا أشد الإبتهاج . اتصلتُ أيضاً لكلّ من يهمه أمري، كمديرة المدرسة، و بعض المعلمات و الصديقات اللاتي شاركنني الفرحة كما يشترك الأحباء فيها .
لن أبالغ أبداً إن قلتُ أن هذا الخبر كان من أسعد أخبار حياتي، كيف لا، و قد سدّد الله خطاي لأصل إلى ما كنت أصبو إليه و أحلم به طوال أشهر. لم تكن تجربة مشاركتي و فوزي تجربة عادية أبدا ً، فخلالها، تعرفت على جوانب في نفسي لم أتعرف عليها من قبل، و عرفتُ ماذا يعني العمل الجاد، و ماذا يعني الحصول على ثماره . و إضافة إلى كل هذا فإني تعلمتُ ضرورة التوثيق و المداومة على المشاركة في مختلف النشاطات الثقافية و الإجتماعية و الدينية. و لكن الأهم من كل هذا، هو أنني عرفتُ الحُبّ بأسمى صوره، و المساندة الحقيقية من أسرتي و مدرستي. أبي و أمي و أخوتي لم يبخلوا بأي شكل من أشكال الدعم ، و كذلك مدرستي بكل رموزها ، لقد تيقنتُ أن لديّ أسرة عظيمة، و أنني في مدرسة فائقة الروعة و التميز ، و اكتشفتُ أن لديّ صاحبات شاركنني الفرحة كما شاركنني التغلب على المصاعب التي واجهتني سالفاً .
و لا يسعني بعد كل هذا إلا أن أتقدّم بعظيم الإمتنان و التقدير إلى الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، راعي هذه الجائزة ، و أعبـّر له عن جزيل شكري لعنايته بالمتميزين عبر جائزته المتميزة ، و حتما ً ما كان ذلك إلا إنطلاقا ً من رؤيته السديدة و نظرته الثاقبة. إنني أشكر جميع المسؤلين عن الجائزة، و أشكر روح الأخوّة فيهم لنشرها على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، و خدمتهم للعلم و تشجيعهم للمتعلمين . و الحمد لله على توفيقه و الشكر له .
الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم
بقلم : مريم المهدي-البحرين
سمعتُ عن الجائزة لأولّ مرة في شهر يونيو لسنة 2003، حين كان اسم الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم يتردد في مدرستي بكثير من الاجلال، ولكني - مع ذلك- لم أعرف ماهيّة هذه الجائزة ، ولا الغرض منها أو بنودها (ولم يبدُ أن أحداً من المحيطين بي كانت لديه الإجابات الوافية) حتى شهر أكتوبر من العام نفسه، حين بدأتْ مرشدة الفصل بقراءة منشورات عن عدة مسابقات في حصة مقتطعة خاصة لهذا الغرض، و كان من ضمن ما قرأتْ دعوة للاشتراك في مسابقة متميزة، لم أكدْ أسمع باسمها، و مصدرها وهي دولة الإمارات العربية المتحدة، حتى انتابني شعورٌ بأنها مسابقة مختلفة تماماً عن مثيلاتها، وأنها ستكون تجربة جديدة في حياتي. و لم أخطئ الظن.
في غضون يومين، التقيت ُبعدة جهات و أشخاص، منها مرشدة الفصل، و المشرفة الاجتماعية، و منسقة هذه المسابقة في مدرستنا. و خرجتُ بفكرة محددة تلحّ عليّ وهي أنني لا بد أن أشترك ولا بدّ أن أفوز بإذن الله. هكذا كنتُ دائماً، ما إن أضع هدفاً نصب عينيّ حتى أصرّ بيني و بين نفسي على الفوز الكامل ولا أقلّ منه .
استطعتُ الحصول على عنوان الموقع الخاص بهذه الجائزة على الانترنت، وبعد أن تعرّفتُ على معلوماتٍ عن الجائزة، وراعيها، وأهدافها، سارعتُ بطبع نسخة من استمارة طلب الترشيح، لأطـّلع عليها، و أحدد أهدافي و أرسم خطتي تبعاً لذلك.
و رغم أنه لم يسبق لي المشاركة في مسابقة ضخمة و ذات بنود عالمية كهذه، إلا أن الشروط الكثيرة و المعايير المتعددة التي احتلت الخمس و ثلاثين صفحة من استمارة طلب الترشيح بَدََتْ مألوفة لي ومحببة إلى قلبي، ذلك أنني إن لم أرَ مثيلا ً لها في الواقع إلا أنني حلمتُ طويلا ً بمسابقة كهذه، تجمع خلاصة ما أبدعه الطالب وعمل لأجله طوال سنوات دراسته السابقة. مسابقة تقيس الطالب لمَلـَكاته الفكرية و نشاطه وفعاليته بعيداً عن أغلال الحفظ وقيود التكديس السائدة.
كنتُ اقرأ المعايير و البنود، بندا ً بندا ً بتركيز شديد، و أحاول طرد بعض مشاعر الخوف والرهبة التي تتسلل إليّ، وأسئلة كثيرة تخطر عليّ، هل لدي الكفاءة اللازمة للمشاركة؟ هل سيكون بمقدوري الاستمرار حتى النهاية؟ هل سأوفق بالإيفاء بمتطلبات المسابقة؟ ... ،والسؤال الكبير الذي يفرض نفسه بقوة، و ان كان سابقاً لأوانه بكثير حينها...هل سأفوز؟
كنتُ قد تعلمت من والديّ الاحتفاظ بكل شهادة لفوز أو صورة لمشاركة أحصل عليها، فكان من السهل عليّ الاستفادة من الشهادات الكثيرة التي احفظها منظمة ً في خزانتي، و التي كنت أعيد ترتيبها مرتين في السنة بكثير من الإعتزاز ، مرة في الإجازة الصيفية، و مرة أخرى في إجازة منتصف العام الدراسي.
ثم جاء العمل الصعب والمتواصل ، الذي مرّ على عدة مراحل، في البداية كنتُ أحصي مالديّ ، و أحاول أن أجمع و أصنف كل مايمكنني جمعه و تصنيفه من شهادات وأعمال و أدلة على مواهبي وهواياتي، ثم بدأتُ أستشعر النقص في ما لديّ و أتحسسه ، و أحاول سدّه بأفكار جديدة و مبتكرة ، أحاول أن أجيب بصورة مقنعة على أسئلة مثل : كيف أثبتُ حبي للقراءة و شغفي بها؟، كيف أثبتُ مشاهدتي لبرامج التلفاز المفيدة؟، كيف أدلـّل على مشاركتي في مواقع الإنترنت رغم استخدامي لأسماء مستعارة ؟ ، وهكذا..
وفي هذه الأثناء لم يبخل عليّ والداي، كما لم يبخل عليّ أي عضو من مدرستي ( سار الثانوية ) بأي مساعدة، بدءاً بالمديرة الفاضلة، و مروراً بالهيئة الإدارية و التعليمية ، و إنتهاء بالطالبات.
كلهم ساندوني، وكان للدعم المعنوي أثر كبير ، إذ أن المعلمات كن يتصرفن بتسامح إزاء غيابي المتكرر عن الحصص الدراسية، عند عقد الاجتماعات و اللقاءات الخاصة بالجائزة ، بينما كانت صديقاتي و زميلاتي يساعدنني في تعويض مافاتني من الدروس.
كانت فترة صعبة بعض الشيء ، تلك التي استمرت قرابة الشهر ونصف الشهر، بين أعباء الدراسة و بين الهدف الماثل نصب عيني و الذي يقترب أكثر فأكثر وهو الظفر بهذه الجائزة العظيمة. كنت متأكدة أن فوزي بهذه الجائزة سيعني انطلاقي لفضاءات أوسع و أوسع. و كان من حسن حظي أنني عملتُ في العطلة الصيفية على إصدار مجموعتي الشعرية الأولى بعنوان "أشعار مريم"، بمساعدة من والدي، وكانت في مرحلة الإخراج الفني والتصحيح اللغوي، حين بدأتُ بالعمل على هذه الجائزة، و على الغرار ذاته استحدثتُ كتيبا صغيراً أرفقتــُه مع وثائقي الخاصة بالجائزة، بعنوان "أفكار مريم" يحتوي على كتابتي النثرية و خواطري.
ورغم ضيق الوقت، وصعوبة التوفيق بين الالتزامات المدرسية الكثيرة، إلا ان كل مرحلة من مراحل الاستعداد لهذه الجائزة كان لها طعمها الحلو المميز. بدءًا من نسخ شهاداتي، وطباعة و تصحيح كتاباتي وجمع صوري التي تدل على مشاركاتي، و انتهاء بالمراحل النهائية من المراجعة و التدقيق. وكان للحاسب الآلي دوركبير في سير العمل.
أما ليلة تسليم الصناديق بما تحتويه من أدلـّة فقد كانت ليلة مشهودة، برغم الإرهاق الكبير الذي استولى عليّ. لقد اضطررتُ في تلك الليلة إلى السهر الى ساعة متأخرة، و أنا أتفقد كل شيء من جديد، أتأكد من رسوماتي التي أرفقتها ، و من شهاداتي و أعمالي، وأرقـّم الأدلة وهذا ما تركتـُه للحظة الأخيرة، تحسباً لإمكانية أن يستجد شئ يضطرني لإعادة الترقيم.
وأخيراً أغلقتُ صندوقي الوردي الذي قطعته بنفسي ليوافق القياسات المطلوبة ، و الذي كنت قد غلـّفتـُه باللون الوردي الزاهي، ليعكس آمالي الوردية في الفوز . و نمتُ و أنا على موعد مع شيئين في الغد، أولهما تسليم استمارة طلب الترشيح و صندوق الأدلة، وثانيهما إمتحان نهائي عملي في مادة الأحياء، حاولتُ أن استعد له في غمرة مشاغلي كما يجب.
وبعد حوالي شهر من تسليم الاستمارات و الوثائق، وفي أول أسبوع من يناير 2004، و في أيام تقديم الامتحانات النهائية، استدعيتُ للمقابلة الأولى. حين علمتُ بالموعد أحسستُ بروحي ترقص طرباً بين جوانحي و قد اتفقتُ بيني و بين نفسي على أن أتصرف بطبيعية تامة وأن أبتعد كل البعد عن التصنع و الادعاء. وهكذا كان، و خرجتُ من المقابلة بنجاح واضح بتوفيق الله ، ولا أدري هل أرجِعه إلى تشجيع والديّ ، أو مساندة مدرستي ، أو روعة اللجنة المقابلة ، أو كله معاً .
وأسرعتُ إلى دفتر مذكراتي أسجـّل فيه ما حدث بالتفصيل الدقيق لكي لا أنساه ابداً. كنت أؤمن دائماً أن اللحظات الجميلة يجب ألا تنسى أبد الدهر ، لأنها تكون ملهمة للحظات جميلة أخرى .
ثم أهلـّتْ المقابلة الثانية ، و فهمتُ من ذلك أنني اقتربتُ من الفوز إلى حد كبير ، وأن عليّ أن أبذل كل ما بوسعي و ألا أتراجع في المرحلة الأخيرة ، و هكذا ، و تحت الشعار نفسه الذي دخلت به المقابلة السابقة ، فتحتُ قلبي و عقلي للمقابـِلين الذين تميزوا بحيادية واضحة ، و كانت هي الأخرى مقابلة ممتازة .
و في اليوم الثالث من مارس 2004 ، كنت أنتظر إعلان النتائج بفارغ الصبر ، و انتظرتُ طويلاً ، و الانتظار يزيد الوقت تباطؤاً، حتى كانت الخامسة مساء ، و رن ّ جرس الهاتف حاملا ً معه الخبر الذي طالما منّـيـت نفسي بسماعه ، و ذهلتُ من الفرحة. كان يوماً رائعاً ، اتصلتُ فيه مبشرة ً أبي الذي كان خارج المملكة في رحلة عمل ، و أخي الأكبر الذي يدرس في الخارج، و قد ابتهجا أشد الإبتهاج . اتصلتُ أيضاً لكلّ من يهمه أمري، كمديرة المدرسة، و بعض المعلمات و الصديقات اللاتي شاركنني الفرحة كما يشترك الأحباء فيها .
لن أبالغ أبداً إن قلتُ أن هذا الخبر كان من أسعد أخبار حياتي، كيف لا، و قد سدّد الله خطاي لأصل إلى ما كنت أصبو إليه و أحلم به طوال أشهر. لم تكن تجربة مشاركتي و فوزي تجربة عادية أبدا ً، فخلالها، تعرفت على جوانب في نفسي لم أتعرف عليها من قبل، و عرفتُ ماذا يعني العمل الجاد، و ماذا يعني الحصول على ثماره . و إضافة إلى كل هذا فإني تعلمتُ ضرورة التوثيق و المداومة على المشاركة في مختلف النشاطات الثقافية و الإجتماعية و الدينية. و لكن الأهم من كل هذا، هو أنني عرفتُ الحُبّ بأسمى صوره، و المساندة الحقيقية من أسرتي و مدرستي. أبي و أمي و أخوتي لم يبخلوا بأي شكل من أشكال الدعم ، و كذلك مدرستي بكل رموزها ، لقد تيقنتُ أن لديّ أسرة عظيمة، و أنني في مدرسة فائقة الروعة و التميز ، و اكتشفتُ أن لديّ صاحبات شاركنني الفرحة كما شاركنني التغلب على المصاعب التي واجهتني سالفاً .
و لا يسعني بعد كل هذا إلا أن أتقدّم بعظيم الإمتنان و التقدير إلى الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، راعي هذه الجائزة ، و أعبـّر له عن جزيل شكري لعنايته بالمتميزين عبر جائزته المتميزة ، و حتما ً ما كان ذلك إلا إنطلاقا ً من رؤيته السديدة و نظرته الثاقبة. إنني أشكر جميع المسؤلين عن الجائزة، و أشكر روح الأخوّة فيهم لنشرها على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، و خدمتهم للعلم و تشجيعهم للمتعلمين . و الحمد لله على توفيقه و الشكر له .